منير سلطان
182
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
للمضياف ، والتعريض : أن تذكر شيئا تدل به على شئ لم تذكره ، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه . جئت لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ، ولذلك قالوا : وحسبك بالتسليم منّى تقاضيا . وكأن إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ، ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده « 1 » وأمام الآية ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) [ البقرة - 28 ] ، يعرض متفلسفا لأسلوب الكناية فيها قائلا : فإن قلت : فما تقول في « كيف » ، حيث كان إنكارا للحال التي يقع عليها كفرهم ؟ قلت : حال الشيء تابعة لذاته ، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال ، فكان إنكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها ، إنكارا لذات الكفر وثباتها على طريق الكناية ، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ ، وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها - وقد علم أن كلّ موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده ، ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات - كان إنكارا لوجوده على الطريق البرهاني « 2 » . ويبين عن المزية المعنوية للتعريض في الآية ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ سبأ - 24 ] . . . وهذا من الكلام المنصف الذي كان من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك ، وفي درجه بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ ، دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أفضل بالمجادل وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وفل شوكته بالهوينى . . . ومنه بيت حسان . أتهجوه ولست له بكفء * فشرّكما لخيركما الفداء « 3 »
--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 113 . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 50 . ( 3 ) نفس المصدر - 2 / 231 .